الياس شوفاني

245

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وكاد فخر الدين الثاني أن يحقق الأهداف الثلاثة التي وضعها نصب عينيه : إقامة دولة في لبنان الكبير والاستقلال عن السلطنة العثمانية وتطوير دولته وإعمارها . وقد لقي في سعيه للتوسع مقاومة شرسة من حكام فلسطين : أحمد بن طراباي ( الحارثي ) ، أمير اللجون ، ومحمد بن فرّوخ ، أمير نابلس ، وحسن باشا ، حاكم غزة . والتقى الطرفان في معركة بالقرب من يافا ، هزم فيها فخر الدين ، لكنه سرعان ما راح يستعد لقتال جديد . ولما تفاقم أمره ، استصدر والي دمشق ، أحمد باشا الحافظ فرمانا سلطانيا بالتحرك ضده وإخضاعه . وعندما شعر أن لا قبل له بمواجهة هذا التحالف ، سلم فخر الدين زمام الأمور لأخيه ، وهرب إلى إيطاليا ، وأقام عند حليفه ، فرديناند مديتشي ، دوق تسكانيا الأكبر - لمدة خمس سنوات ( 1613 - 1618 م ) . وخلال هذه الفترة كان فخر الدين يعد التحالفات مع بعض القوى الأوروبية ، لإقامة دولة مستقلة على الساحل السوري ، تكون لها علاقات تجارية وثقافية مع أوروبا . وفي غيابه أخذت من أخيه الأراضي جميعها التي احتلها ، وجعلت ولاية مركزها صيدا ، وتضم صور وبيروت وصفد . لم تكن أوروبا في حينه مهيّأة لعمل عسكري في الشرق . وزيارة فخر الدين لفرسان مالطا ( الصليبيين ) ، لم تتمخض عن نتائج عملية لإعادة بناء دولة الفرنجة في فلسطين . لكن فخر الدين عقد معاهدات تجارية ، وخصوصا مع دوق تسكانيا ، الذي وعد بدوره بتقديم المساعدة لفخر الدين في سعيه للاستقلال عن الدولة العثمانية . وعاد فخر الدين إلى لبنان ( 1618 م ) ، بوساطة حلفائه لدى الباب العالي . لكن هذا الأمير الطموح لم يلبث أن انتهز فرصة حرب السلطان مع الصفويين ، الذين احتلوا بغداد ( 1623 م ) ، وراح يوسع ممتلكاته ، فأخذ سناجق صفد ونابلس وغزة وعجلون . ومرة أخرى اصطدم بالمقاومة العنيدة التي أبداها أحمد بن طراباي . وزادت أهمية فخر الدين وهيبته بعد أن هزم حملة جردها ضده والي دمشق ، مصطفى باشا ( 1623 م ) ، وذلك في معركة عنجر ( البقاع اللبناني ) . إزاء تعاظم قوة فخر الدين ، من جهة ، وتفاقم الحرب مع الصفويين ، من جهة أخرى ، وفي غياب قدرة الحكام المحليين في بلاد الشام على التصدي له ، اعترف به مراد الرابع ( 1623 - 1640 م ) واليا على عربستان ، من حلب إلى حدود العريش ، لقاء دفع الضرائب وحفظ الأمن ( 1624 م ) . أمّا فخر الدين ، فقد عمد من جانب واحد وأطلق على نفسه لقب سلطان البرّ ، وبدأ يعارض المصالح العثمانية . ولم يقف عند هذا الحد ، بل عاد إلى فتح المفاوضات مع أوروبا ، إذ طرحت مسألة إقامة دولة مسيحية في الشرق ، مع ممثلي ملك إسبانيا . ولما استفحل أمر فخر الدين على الباب